ذكرياتي عن تلك الحرب من جانب لا يكاد يذكره أحد أو يهتم له أحد ولكنها ذكريات صبي صغير تأثر بما حدث في محيطه، وسجلت ذاكرته مار آه وما سمعه، ورغم أن سكان المدينة قد عانوا الكثير من ويلاتها إلا إن إزالة المواقع والأثارالتي تركها الاحتلال وموت الكثيرين من شهودها جعلتها حرب منسية، حتى انك لو سألت أحد من شباب اليوم عن المنطقة التي يسكنها لماذا سميت باب شيحا أو باب طبرق لا أعتقد انه يعرف الإجابة كما أنه لا يعرف إن البيت الذي يسكنه كانت أرضه مسرح للقتال وحتي السور الذي أقامه جنود الاحتلال حول المدينة الذي مازالت أثاره قائمة حتى اليوم كل من أراد الدخول لي المدينة أو الخروج منها جنوبا أو شرقا أو غربا عليه أن يمر من خلال هذه الأبواب إنها أبواب حقيقية من الحديد وعليها حرس شديد .
والحرب التي أقصدها هي التي نشبت بين بريطانيا وايطاليا بعد توغل الطليان في الأراضي المصرية وتهديد الوجود البريطاني فيها.
ذات يوم جلست في سيارتي أمام مدرسة الجلاء أنتظر خروج التلاميذ منها نظرت إلي نخلتين عاليتين في الجهة المقابلة لم يعد في استطاعة الإنسان الوصول إلي ثمارها والطيور الموسمية تنقض علي ثمارها والأطفال في الشارع يلتقطون ما يسقط منها. الرياح تباعد بين النخلتين ثم يلتصقان في عناق قصير انهما شاهدتان علي كل ما كان يحدث في تلك المنطقة
فيا تري مالذي كان يحدث؟
صور قديمة سجلتها الذاكرة تراءت أمامي في ذلك اليوم هذه المدرسة بنيت علي أنقاض أكبر معسكر للإمداد في هذه المدينة الجنود أمام هذا المعسكر يسرحون ويمرحون الشاحنات الثقيلة تدخل وتخرج منه بعد إفراغ حمولتها التي تنقلها من الميناء القريب وهنالك في ذلك المكان كانت حجرة صغيرة أقيمت للحرس وضباط كثيرون بملابسهم المميزة يمرون وهم يجرون كلاب الزينة خلفهم ينادونها بألقاب مهينة بالبلاد والعباد
اختار الإيطاليون خمسة مناطق عسكرية متقاربة في النصف الشرق من المدينة الصغيرة قريبة من الميناء هذه المواقع أصبحت هدفاً للطائرات البريطانية غير أن القنابل التي كانت تسقط عليها ليلاً وبالمظلات كثيرا ما كانت تخطأ أهدافها وتسقط علي بيوت الآمنين أو في ارض فضاء قريبة من هذه المواقع استثناء غارة واحدة قام بها طيار بريطاني نال إعجاب كل من رآه فقد قام بعدة مناورات فوق الميناء ثم انقض علي السفينة علي ارتفاع منخفض جداً وأفرغ حمولة فوقها فاشتعلت فيها النار وغرقت وبقيت أجزائها في أعماق الميناء إلي عهد قريب.
الليل في تلك الأيام كان رهيباً حتى بدون حرب ولمبات القاز هي مصدر الضوء الوحيد بالنسبة للناس أما بالنسبة للمعسكرات والطرق المؤدية إليها فقد كانت المصابيح قليلة وضعيفة وفي احدي الليالي سقطت قنبلة علي منزل مجاور لنا مازلت أذكر إنني ارتفعت في الهواء حتي ارتطم رأسي بسقف المنزل المغطي بجذوع النخل وقنبلة ثانية سقطت علي أرض فضاء بالقرب من مقر حاكم المدينة ورغم أننا نسمع بوضوح صفارات الإنذار ونشاهد الكشافات القوية التي تسلط علي الطائرات ونسمع أصوات الرشاشات المضادة إلا أننا لم نسمع عن إسقاط أية طائرة ولكننا أحيانا نشاهد طائرة إيطالية تشتعل فيها النيران وتسقط ولك ولاكتني لأعرف سبب ذلك
وفي الصباح علمنا أن أسرة الحاج سالم قد اختفت ، ورأيت بنفسي جرد الحاج سالم معلق علي أغصان شجرة تين عالية تبعد كثيراً عن بيته المهدم .
بعد تللك الليلة الرهيبة هربنا الي منطقة المغار ولجأنا الي كهف صغير هناك، ولحق بنا عدد من الجيران أقاموا خيام أمام الكهف. إذا سمعتا صافرات الإنذار أسرع الجميع إلي الكهف، وسائل الدفاع الجوي كانت
موزعة علي باب شيحا الشرقية وفوق الكهف مباشرة، وقبل الغروب كن نصعد الي تلك الربوة ونقترب من الجنود الذين كانوا ينادزننا باسم " ألي ألي " لا يعرفون الا اسم" علي" وكانوا يقدمون لنل مابقي من طعامهم وكان دائما "الفاصوليا" كنا أطفالاً وكانوا يعاملوننا بلطف،وكنا جياعا أيضا.
من ذلك المكان كنا نطل علي المدينة كانت واحة خضراء من النخيل والكروم المختلفة وأشجار المشمش العالية.
المنازل كانت دور واحد تختفي بين الأشجار، مياه الساقية تنحدر من اعلي الوادي تسقي كل شبر من أرض المدينة, مياه الساقية كانت نضيفة ,كنا نشرب منها ،والدي كان يقول إنها تمشي علي كف الرحمن.
درنة كانت جنة، أبواب منازلها لا تقفل حتي ليلاً رغم زمن الحرب، كانت بأهلها وصحابتها وموقعها المدينة الفاضلة من عرفها أيام عزها تألم كثيراً أيام بؤسها .
وبمرور الأيام أهملت السواقي, ومات الكثير من أشجار النخيل اذا نظرت إليها من أعلي الربوة حزنت لما آل اليها حالها أشجار النخيل المبارك قطعت ولا أحد يحرك ساكناً وتولي أمر الزراعة من لا يحس بأي انتماء لها
تحولت المدينة الفاضلة إلي مرتع للحاقدين والمفسدين والمستغلين المدينة التي كانت تفوح منها رائحة الورد
والياسمين وزهر الليمون امتلأت بلصوص الأرض وصناع الخراب وامتلأت بأعشاش الغربان وبؤر الفساد
لقد باعها الحاقدون بثمن بخس ونسوا أنها مدينة الصحابة " وأن الله يري ".
طريق الساقية تحول الي مجري للمياه السوداء، فاذا حفرت بئراً في بعض مناطقها امتلاءت بمياه الصابون والبوطاس لأن الأبار القديمة أهملت واتخذها بعض" الوافدين" خزانات " لإنتاجهم الأسود "
امتلأت جيوب التفهاء بالمال الحرام سخروه لامتلاك كل ما يرغبون في امتلاكه فالحلال مثل الحرام عندهم، كلا منهما أربعة حروف والكثير من الناس تعودوا علي " أكل العيش بالجبن " ولا أحد يحرك ساكناًُ.
من أمام ذلك الكهف الصغير بمنطقة المغار كانت تسليتي ليلاً النظر الي الطائرات البريطانية وهي تمر فوق
رؤوسنا ووسائل الدفاع الجوي يسلط كشافاتها القوية علي الطائرات ورغم ظلام الليل الااننا نري الطائرات واضحة جدا والنيران ذات الألوان المختلفة تحيط بتلك الطائرات من كل جانب حتي إنني أراها تمر من بينها ولا تصيبها الطائرات تمر علي ارتفاع تعجز هذه الوسائل عن بلوغه. سألت والدي. مادامت الطائرات تري هذه المدافع فلماذا لاتسقط عليها القنابل قال إنها متجهة إلي مكان بعيد ربما بالجبل الأخضر أو أبعد منه.
وقد سمعنا أنهم يقصفون حتي أكوام الحطب الذي يجمعه الطليان للاستفادة منه في أعمال الطهي والتدفئة
ورأي الأهالي أعواد الحطب وهي تطير في الهواء. بمناطق الجبل الأخضر.
ومن ضمن ذكريات تلك الحرب المنسية قصة إنسانية باعدت الأيام بين بدايتها ونهايتها بعشرات السنين
قصة امرأة كثيراً ما كنت أسمعها تغني كلما تسلقنا تلك الربوة لتغترف من مياه تلك الأمطار التي تتجمع في الحفر ونعود بما نجمعه إلي ذلك الكهف الصغير وقد كنت أشرب من " قلتة " صغيرة مثل الشاة مياه باردة نظيفة وكنت أري وجهي علي صفحة الماء. شربة ماء مازلت أذكرها وكأنها حدثت بالأمس القريب .
كانت تلك المرأة تنظر إلي جنود الاحتلال خلف الأسلاك الشائكة وهم يتجمعون خلف مدافعهم الثقيلة وحول رشاشاتهم المضادة للطائرات ثم تنظر إلي الشرق البعيد وتغني بصوت حزين
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ